الجليس التربوي

مرحبا بك عزيزي الزائر في منتديات الجليس التربوي
لكي تكون لك الصلاحيات في المساهمة و تحميل المواضيع والردود عليها
يشرفنا أن ندعوك لتسجيل نفسك كعضو مميز في المنتدى
نحن ننتظر أولى مساهماتك بعد التسجيل ـ




 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولأهلا وسهلا
الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم وصلى الله على نبينا الأكرم ، وعلى آله وصحبه وسلم مرحبا بكم زوارنا الأفاضل في منتدى الجليس التربوي منتدى التربية والتعليم والفكر و الثقافة المساهمات في المنتدى لا تعبر إلا عن أراء أصحابها لأعضائنا الافاضل واجب الإبلاغ عن المساهمات المخالفة والروابط التي انتهت صلاحيتها تعتذر الإدارة عن أي إشهار غير لائق لأنها لا تملك حقوق حجبها أو حذفها شرحٌ بالفيديو لطريقة التسجيل في منتدى الجليس التربوي

شاطر | 
 

 أسرار الحياة ـ رامانات كويسك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بوشويحةب
الإدارة
الإدارة


عدد المساهمات عدد المساهمات : 1735
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 08/10/2010
العمر العمر : 38
الموقع الموقع : بشار

مُساهمةموضوع: أسرار الحياة ـ رامانات كويسك   الإثنين 14 فبراير 2011 - 10:01

مقدمة
يقوم العلم على النزعة الطبيعية، التي تعتقد أن كل حوادث الكون يمكن أن تُفسَّرَ بحسب الفاصل الموجود في القوانين المعروفة للفيزياء والكيمياء. ويمثل هذا المفهوم حجر الزاوية في المشروع العلمي. وإذا رفضنا الانخراط في هذا المفهوم فمن الأفضل أن نغلق مخابرنا! أما إذا انطلقنا من الفرضية القائلة إن ما ندرس ليس قابلا للتفسير، فإننا نقضي على البحث العلمي نفسه. وعلى عكس الرأي الذي عبّر عنه بعض العلماء، فإن هذه الحاجة المنطقية لا تعني لزوم القبول بالنزعة الطبيعية افتراضا فلسفيا مسبقا، أو نظرية أو اعتقادا. فهي كما تستعمل في العلم، مسلَّمَة أو فرضية عمل، وهي غالبا ما وُصِفتْ بالطبيعية المنهجية من قبل بعض الفلاسفة لهذا السبب، مسلّمة يجب أن نكون على استعداد للتخلي عنها إذا ما جوبهنا بوقائع وأحداث تتحدّى كل محاولة تفسير ذات نزعة طبيعية. ولكن في هذه الحالة هل نحن مستعدون لقبول تدخّل "شيء آخر" باعتباره الملاذ الأخير، بعد أن حاولنا باعتماد كل الوسائل الممكنة تفسير ظاهرة ما بالمقتضيات الطبيعية؟ وحتى إذا ما أدركنا هذه النقطة، متصورين إمكانية القبول به، لا بد لنا أيضا من التفريق بين بديلين اثنين: أن يكون هذا "الشيء الآخر" قانونا من قوانين الطبيعة كان مجهولا لدينا قبل أن يظهر لنا بهذا المجهود العلمي كما هي الحال في العديد من المناسبات الماضية، أو أن يكون فعلا مفارقا للطبيعة حقيقة؟
كانت الحياة فيما مضى، بكل حيرتها وأسرارها، ساحة مثالية للاعتقاد في "شيء آخر". إلا أن هذا الموقف الذي انخفض صوته بفضل الاكتشافات الكبيرة التي عرفها علم البيولوجيا في القرون الأخيرة، قد عاد بقوة إلى الظهور عبر أقلية – ولكنها صاخبة – من العلماء، الذين عرفت آراؤهم انتشارا كبيرا في حلقات فلسفية ودينية عديدة.
سأحاول هنا أن أختبر باختصار إذا ما كانت بعض الظواهر البيولوجية موجودة بالفعل، كما يدّعي البعض، متحدّية حقيقة كل محاولة لتفسير طبيعي، وجاعلة القول بــوجود "شيء آخر" مسألة ضرورية. هل بلغنا مرحلة أٌنهكتْ فيها كل مسالك العلم؟ أم هل التقينا ما فوق الطبيعة الحقيقي؟ وإني إذ أتناول هذه المواضيع، أفترض أن القارئ متعوّد – ولو في الحد الأدنى – على المعطيات الأساسية لعلم البيولوجيا المعاصر. كما أنني آثرت الاختصار الشديد في الإحالات؛ وللحصول على معلومات إضافية وتحليلات أكثر توسعا لهذه المسائل تمكن العودة إلى أعمالي السابقة (5 و 6) وكتابي الذي سيصدر لاحقا (7).
طبيعة الحياة
إن البحث في الآليات التي تمسك بالحياة يمثّل واحدا من أكبر وأهم منجزات المقاربة الطبيعية، ويمكن أن أعتبر نفسي شاهدا على هذا الانجاز المبهر.
عندما واجهت لأول مرة الكيمياء الحياتية، لم يكن قد تم اكتشاف سوى عدد محدود من المقومات البيولوجية الصغيرة – مثل السكّر، والحمض الأميني [مركّب عضوي يحتوي على مجموعة أمينية وعلى مجموعة الحمض الكروكسيلي]، والمركّبات العضوية المشتقّة من البيورين [وهي التي تضم الحمض البولي وعناصر الحمض النووي]، والبيريميدينات [قاعدة عضوية متبلورة هي الأصل للعديد من المشتقات البيولوجية المهمّة]، والحمضيات الدهنية، وبعض الحمضيات الأخرى). إن الطريقة التي خَلَقَتْ بها الكائنات العضوية هذه الجُزَيْئات كانت مجهولة بشكل واسع إلى حد ذلك الوقت. ولم يكن أي جزيء كبير كانت قد أنتجته تركيبات تلك الكائنات قد تمّ تشخيصه بعدُ.
وبالنسبة للأيض [عمليات البناء والهدم داخل الكائن الحي]، فإن بعض المسالك الرئيسية القليلة فقط وقع طرقها بعناية مثل الغليكوليز glucolyse ودورة حامض الكاربوكسيليك الثلاثي، إذ كان علم الخمائر الكيميائية في خطواته الأولى، وكذا علم الطاقة الإحيائية، الذي كان يقتصر – في ذلك العهد – على الاكتشاف الحديث للـ أ. ت. ب. (ATP) ولبعض الإيحاءات حول دور هذه المادة من حيث كونها مزوّد كوني للطاقة البيولوجية. أما بالنسبة للتحويلات الجينية للمعلومة، فلم نكن نعلم عنها شيئا؛ لم نكن نعرف حتى وظيفة الحمض النووي الرّيبي الخالي من الأكسيجين (ADN)، ولا حتى بنيته.
كان من الصعب على سطحية ما توصّلنا إليه أن تثبط همّتنا. لقد كنا على العكس من ذلك نرى فيها انتصارات هائلة. كانت تلك المنجزات تفتح مسالك جديدة تبشّر أن الحياة يمكن مقاربتها عبر أدوات الكيمياء الإحيائية، وهو ما شجَّعَنَا جدا على مواصلة بحوثنا. غير أن المشاكل العالقة بدأت تتراكم في الأفق، وبدا أنّ حلّها يبتعد أكثر فأكثر. فبالنسبة لي لم يكن يخطر ببالي قط حتى في أحلامي الأكثر غرابة – ولا أعتقد أن أحدا من معاصريّ حلُم بذلك – أن يمتدّ بي العمر حتى أرى حلولا لها.
ولكن ذلك هو الذي حصل فعلا. أصبحنا نعرف من هنا فصاعدا بنية كل الأنواع الأساسية للجزيئات الضخمة، وأصبحت لدينا القدرة على تحليل أصغر هذه الجزيئات. إننا نفهم وبشكل دقيق أغلب المسالك الأيضية (الاستقلابية)، المتضمّنة، بشكل خاص، المسارات الأساسية المصنوعة إحيائيا. لدينا أيضا فهمٌ معمّق للميكانيزمات التي تنتهجها الأجسام الحيّة لتستعيد الطاقة من محيطها وتحويلها إلى وظائف مختلفة. ولكن المبهر حقا هو أننا نعرف الآن الكيفية التي تُشَفَرُ بها المعلومات البيولوجية، وتخَزَّنُ، ويعاد تصنيعها، ويُعبَّرُ عنها. وقد لا نبالغ إذا ما ذهبنا إلى أننا أصبحنا قادرين على فهم الميكانيزمات الرئيسية للحياة. صحيح أن هنات عدّة في معرفتنا تحتاج إلى التدارك. كما أننا يجب أن نترقّب بعض المفاجآت، كتلك التي رافقت اكتشاف الجينات المقسّمة إلى أجزاء عدّة. غير أننا نعرف بشكل عام القاعدة النموذجية للحياة، لدرجة أصبحنا قادرين على التحكم في الحياة مع سابق الإصرار والتصور. إن الدرس الذي يمكن الخروج به من هذه الانجازات الرائعة هو أن الحياة قابلة للتفسير بمصطلحات طبيعية. وفي الحقيقة فإن عناصر جديدة وقع اكتشافها هي التي تنظّم سلوك الجزيئات المعقدة مثل البروتينات والحوامض النووية، أو تحكم خاصيات المُرَكّبات المتعددة الجزيئات مثل الأغشية، والريباسات [ribosomes الأنسجة الحيوية المؤلفَة من خلية النبتوز النووي] أو الأنظمة الخميرية المتعددة. إلا أنه، ولحد الآن، لم يُعلَنْ عن شيء غير قابل للتفسير بحسب قوانين الفيزياء والكيمياء. ببساطة، اغتَنَتْ هذه العلوم بشكل كبير بالاكتشافات الجديدة. وبالتالي فإن التصوّر القائم على كون الأجسام الحيّة مكوّنَة من مادّة "منتعشة" بفعل "شيء آخر مختلف" غير مبرر تماما.
تاريخ الحياة
إن المعرفة البيولوجية المعاصرة كشفت عن معلومة جوهرية أخرى: كل الأجسام الحيّة المعلومة خرجت من رحم شكل واحد لحياة أسلافية (قديمة جدا). كان التطوّريون الأوائل قد لامسوا هذا التوجّه، قبل أن يتدعّم باكتشاف تشابهات قوية – داخل كل الأجسام الحيّة المدروسة – موجودة في مستوى الخلايا والجزيئات، وذلك بمعزل عن اختلافها الظاهر. وسواء درسْنا الجراثيم، أو الفَرْطيـسات (protistes)، أو النباتات، أو العفونات، أو الحيوانات (بما فيها الإنسان)، فإننا نجد دائما نفس القاعدة النموذجية التي تعرضنا لها أعلاه. لا شك أن هناك بعض الاختلافات، وإلا كانت كل الأجهزة متماثلة. ولكن وقع الاعتراف بهذه الاختلافات باعتبارها تشكيلات مختلفة لمبحث مركزي. إن الحياة واحدة.
لقد وقع الآن إقرار هذا المعطى بشكل نهائي وذلك من خلال التشابه الموجود بين وحدات الحمض النووي الرّيبي (ARN)، أو من خلال البروتينات التي تقوم بنفس المهام في مختلف الأجسام، وكذا بين جينات الحمض النووي الريبي الخالي من الأكسجين (ADN) التي تعطي لهذه الذرّات شفراتها. إن عدد الأمثلة المشابهة أصبح اليوم يُحصى بالمئات، وهو في تزايد مستمر. إنه من غير الممكن أصلا أن تتمكّن جزيئات، ذات وصلات بهذا التماثل، من البروز بمعزل عن بعضها في شكل خطّين – أو عدّة خطوط – بيولوجيين مستقلّين، اللهمّ إلا إذا التجأنا إلى الإدعاء بأن لتطوّر الحياة درجة من الحتمية، يرفض القول بها حتى أكثر المتحمّسين لهذا الرأي. إن تماثل هذه الوصلات لا يثبت فقط القرابة الموجودة بين كل الأجسام الخاضعة لهذا النوع من التحليل؛ يمكنها أيضا أن تكون مفيدة في إيجاد علاقات نِساليّة [متعلقة بمبحث تكوّن الأنسال وتطورها] على خلفية الافتراض، الذي تعرّض لكثير من التحسين، القائل بأنه كلّما كان الزمن الذي توفّر لمالكي الجزيئات للتطور بشكل مستقل أطول، أي كلما كان الزمن الذي مرّ عن تفرّقها منذ أن انفصلت عن جذعها المشترك الأول أطول، كلما أصبحت الاختلافات في الوصلات أكثر. إن هذا المنهج، الذي أصبح يطبّق بشكل واسع اليوم، قد أكّد ودعّم عديد النظريات النِّسالية المتفرّعة سابقا عن المعطيات الإحاثية [نسبة إلى علم الإحاثة الذي يبحث في أشكال الحياة في العصور الجيولوجية السالفة من خلال المتحجّرات الحيوانية والنباتية]؛ كما مكّن لمثل عمليات إعادة البناء تلك أن تطال عديد السلالات التي لم تترك مستحجرات يمكن التعرّف عليها.
إنه من الطبيعي أن تتعرض الآمال الأولية التي سمحت بها التكنولوجيا الحديثة إلى التخفيف. وقع وسْمُ فرضيات غامضة بتبسيط مبالغ؛ ووُضِعَتْ خوارزميات متفرقة في السباق لتحليل أفضل لتنوّع التغيّرات الجينية التي يجب أن تُأخَذَ بعين الاعتبار. وأهمّ من ذلك، النقل الأفقي للجينة – أي نقل الجينات بين أنواع مستقلة، على عكس نقلها عموديا من جيل لآخر – الذي اعتُرِف به تعقيدا أساسيا في محاولة استعمال المعطيات الذَّريّة لإعادة بناء شجرة الحياة، وتشعباتها الأولى بشكل خاص. ولكن هذه الصعوبات لا تطال إلا شكل الشجرة، لا حقيقتها. لقد أصبح التطور البيولوجي واقعا لا يقبل الجدل.
أصل الحياة
أين، متى، وبشكل خاص كيف نشأت الحياة؟
إذا لم تكن لدينا أجوبة عن هذه التساؤلات، فلا أقلّ من أننا لم نعد في ظلام دامس فيما يخصّها. إننا، وبفضل بقايا مستحجرات لا يمكن نقضها، أصبحنا نعرف أن أشكال حياة جرثومياتية متطورة – مع تذكّرات مبهمة لأجسام تركيبية ضوئية [متعلقة بتركيب جسم كيميائي ذي مادّة متعضّنة بواسطة الطاقة الضوئية، مع النباتات الكلوروفيلية] معروفة كأُشنة زرقاء [رتبة من الأُشنة تنسب إليها الجراثيم] – وُجِدت على الأرض قبل ما لا يقلّ عن 3,55 مليار سنة. بل إن أجساما أكثر بدائية يمكن أن تكون قد وجدت قبل هذا التاريخ، ربما منذ 3,8 مليار سنة، إذا ما تأكّد أن المستودعات الكربونية المخصّبة بـ c12 والتي وجدت في غروآنلاند حجة على وجود نشاط بيولوجي. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأرض لم تكن مهيّأة فيزيائيا لاحتضان الحياة على الأقل في النصف الأول من المليار سنة اللاحق عن وجودها، أي منذ 4,55 مليار سنة، فالظاهر أن كوكبنا بدأ في احتمال أجسام حيّة 250 مليون سنة بعد اكتسابها القدرة على ذلك.
إننا لا نعلم إن كانت أشكال الحياة الأرضية الأولى قد برزت محليا أو أنها قدمت من جهة أخرى. ولكن، وبما أنه لا وجود اليوم لأية حجّة تدعم الأصل غير الأرضي، فإن أغلب الباحثين يقبلون الفرضية البسيطة القائلة بأصل محلي – فرضية تتميّز بجعل المشاكل قادرة على تحديد نفسها داخل إطار شروط الفيزياء والكيمياء – ظهر من خلال معطيات جينيالوجية غلبت على الأرض في نفس الوقت الذي ظهرت فيه الحياة. لا بد من الإشارة هنا إلى الحجّة القديمة القائلة إن الوقت لم يكن كافيا فوق الأرض لتنمية شيء طبيعي بذلك التعقيد، وأن الجسم الحي الأكثر بدائية نفسه لا يمكن أن يكون معقولا. إن المقبول، في الغالب، هو أن الحياة إذا ما ظهرت بشكل طبيعي فإنها لا يمكن أن تكون قد فعلت ذلك إلا في وقت قصير نسبيا، وقت يمكن قياسه أكثر فأكثر بآلاف السنين عوض ملايين السنين. في بعض المسالك التي وقع طرقها، وصلت نِسَبُ التفاعل الكيميائي درجة مقبولة ما مكّن الوسائط الهشّة من بلوغ تركيزات كافية، ومكّنها بالتالي من إطلاق المرحلة التالية. يمكن إذا أن تكون الحياة، فوق الأرض ما قبل الحيوية، قد ظهرت ثم اضمحلت عديد المرات قبل أن تتجذّر. وقد لقيت هذه الفرضية دعما مهما بالحجة التي وقع اكتشافها في الثلاثين سنة الأخيرة. إن تحاليل كيميائية لمذنّبات ونيازك، وتحاليل طيفية لإشعاع قادم من أجزاء أخرى من المنظومة الشمسية ومن الكون عرّفتنا أن موادًّا مركّبة – بما فيها الحوامض الأمينية وغيرها من عناصر الحياة بالقوة – كانت موجودة بشكل واسع في الكون. ولا شك أن هذه العناصر كانت بشكل أساسي ثمرة المسارات الكيميائية التلقائية، وليس نتيجة نشاط بيولوجي. وبذلك، هل يمكن للتأليفات المركبة أن تتجاوز الأجسام الحية، بل أكثر من ذلك هل يمكن أن تتصرف دون إعانة بشرية على نطاق واسع. إن التسمية »كيمياء مركّبة« مجانبة للصواب. بالطبع لا يتعلق الأمر إلا بالكيمياء الكربونية المصادف كونها الكيمياء الأكثر ابتذالا والأكثر انتشارا في الكون، مع كونها غنية بشكل هائل وذلك بفضل ميزات الارتباط الخاصة بذرّة الكربون. ويبدو من المنطقي افتراض أن مواد هذه الكيمياء الكونية هي التي وفّرت المواد الأولية عند تكوين الأجسام الحية الأولى. ولكن السؤال المطروح هو: كيف؟
ومنذ أن كان الروسي ألكسندر أوبارين الرائد في مقاربة هذه المسألة في 1924 (18)، وبشكل خاص بعد التجارب التاريخية لـــستانلي ميلّر في 1953 (16)، انكبّ بعض أفضل علماء الكيمياء المركّبة في العالم على هذه المسألة في مختبراتهم، متبنّين المصادرة الطبيعية كمقدمة منطقية قاعدية، وهي الفرضية القائلة بأن أصل الحياة يمكن تفسيره بمصطلحات الفيزياء والكيمياء. وباستعمال نفس هذه المقدمة المنطقية، عمد عدد من الحاضرين، وأنا من بينهم، إلى السجال حول هذا الموضوع، أو إلى طرح نماذج. لقد وقع اكتشاف عدد من المكونات المهمة، بينما لا يزال عدد من الأفكار الإيحائية أو من "العوالم" – على سبيل المثال: عالم الحمض النووي الريبي ARN؛ عالم ملح حمض الفوسفوريك؛ عالم سولفور الكربون الحديدي؛ عالم الإستير الكبريتي – بصدد التداول. عشرات الكتب، ومئات الأوراق العلمية، وصحيفة متخصصة وقع بعثها للغرض، مؤسسة وقع تخصيصها لهذا الموضوع، مؤتمرات وندوات دورية، كل ذلك يؤكد الحيوية التي يشهدها هذا الفرع العلمي الجديد. صحيح أن الآراء منقسمة حول ما تم تحقيقه من وراء كل هذه النشاطات. وبالرغم من أننا تعلمنا الكثير، فمن الواضح أننا لا نزال بعيدين عن تفسير أصل الحياة. ليس ذلك بالغريب، أمام حجم التعقيد الذي تكتسيه المسألة. ولكن في المقابل هل يجب الاستغناء عن المصادرة الطبيعية؟ هل بلغنا المستوى الذي عرفت فيه كل محاولات التفسير الطبيعي الفشل، وكان لزاما علينا الالتجاء إلى مفهوم: "شيء آخر" ؟ يجب على كل من له معرفة بهذا الميدان الإجابة بالنفي المفخّم عن هذا السؤال. وفي الحقيقة فلم يقع التعرض لهذا المشكل إلا بشكل سريع خاطف.
لذا فإن التأكيد، في هذه المرحلة، بأن أصل الحياة غير قابل للتفسير بمصطلحات علماء الطبيعة، لا يمكن أن يرتكز إلا إلى التسليم الماقبلي لما سمّاه عالم الكيمياء الحياتية الأمريكي ميكائيل بيهي، وهو أحد المدافعين البارزين عن هذه النظرية، بـ" التعقيد الذي يستحيل اختزاله". وهو يُعَرِّفُها في كتابه "صندوق داروين الأسود" (2) بأنها حالة "نظام بسيط متركّب من عدّة أقسام متجانسة ومتفاعلة فيما بينها، والمساهمة في الوظيفة الأساسية، التي يتسبب كل تنقل لأقل قسم فيها في نهاية عمل النظام". وليضرب مثالا عن نظام معقّد بشكل نهائي، يتحدث بيهي عن "المصيدة المتواضعة" التي لا يمكن أن يكون أي جزء فيها قد وقع تركيبه دون أن يكون لشخص ما، وبشكل ما قبلي، صورة كاملة عنها في ذهنه. وبحسب بيهي، فإن الأمر نفسه يمكن أن نطلقه على عديد الأنظمة الكيميائية الحياتية المعقدة، مثل سياط الجراثيم [زائدة شبيهة بالسوط]، أو التخثّر الدموي. لا يعتبر هذا الدليل جديدا، فقد وضعه منذ قرنين اللاهوتي الانجليزي ويليام باليي، الذي استعمل صورة الساعة للحديث عن وجودٍ زمنيٍ إلهي. ولكن الجديد في المسألة، والغريب فيها هو استعمال المعرفة الكيميائية الحياتية المعاصرة كرافد لـ"مفهوم ذكي" للحياة، إكتشاف "ينافس، بحسب بيهي، اكتشافات اينشتاين، ولافوازييه – شوردنغر، وباستور، وداروين". يتعلق الأمر هنا بادّعاء غريب لــ"اكتشاف" يخرجه من دائرة البحث العلمي عوضا عن مساهمته في حل مشكلة.
إن التماثلات الميكانيكية – سواء تعلق الأمر بالساعات أو بالمصائد – هي صور فقيرة للتعقيد الكيميائي الحياتي. فالهَيولينات [البروتينات]، وهي المكونات الأساسية للأنظمة الكيميائية الحياتية، لا تملك أي سمة من صلابة الأجزاء الميكانيكية. وقد أعطاها تسميتها، التي تعود في أصلها اليوناني إلى الاسم بروتوس بمعنى الأول، الكيميائي الهولندي جيراردوس جوهانس مولّدر سنة 1838. كما يمكن أن يكون الإسم قد اشتُقّ من الإله بروتيوس، الذي اشتهر بقدرته على الظهور تقريبا في أي شكل أراد. وكما هو معلوم، فإن تغيير حامض أميني بسيط بآخر يمكن أن يغيّر بشكل حاسم خصائص البروتينة. وحتى بدون أي تغيير في المعلومات المبرمجة، فإن شكل البروتينة يمكن أن يتغير بمجرد اتصال مع "قالب" معدَّل، مثلما تؤكده العوامل المرضية كتلك المتعلقة بـ"البقر المجنون" ومثيلها الإنساني: داء كروتسفيلد-جاكوب. إن هذه العوامل المُعْدِية، المسماة "بريون"، هي بروتينات تكونت بشكل غير طبيعي، وتتوالد، بحسب مكتشفها العالم الأمريكي ستانلي بروزينر، في الجسم عبر منحها شكلها غير الطبيعي لمثيلاتها الطبيعية (19). إن الزّعم القائل – كما هو ضمني في نظرية بيهي – إن البروتينة التي تلعب دورا محدّدا لا يمكن أن تكون متفرّعة عن ذَرّة كانت قد قامت بوظيفة أخرى في نظام سابق، هو ادّعاء مجاني. وفي الحقيقة، فنحن نعرف أمثلة عديدة لبروتينات غيّرت من وظيفتها أثناء تطورها. إن الجليديات (cristallins) وبروتينات العدسة تؤكد ذلك.
ما ينقص تصور "بيهي" هو اعتبار عامل الزمن. لا شك أن الأنظمة الكيميائية الحياتية المعاصرة تُظهر ما يسمّيه "تعقيدا غير قابل للحل". وإذا مات عنصر واحد من نظام تخثر الدم، ظهر نقص أساسي في النجاعة الوظيفية، كما بيّنته النعورية [حالة المزاج النزفي] وغيرها من الاضطرابات التي في شاكلتها. ولكن ما يمكن أن يعاب على هذا الاستدلال هو أن النظام يحمل وراءه مئات الملايين من السنوات من التطور، كان تركيبه البطيء والمطّرد يتم خلالها بحسب مسيرة طويلة من تعاقب المراحل التي يمكن أن تفسَّرَ كل واحدة منها بالصيغ الطبيعية. وإذا ما كانت تفاصيل هذه المسيرة لم تكشف بعد، فإن ذلك لا يُعَدٌ دليلا على عدم إمكانية حصوله.
إن تاريخ البروتينات الذّري نفسه لا بد أن يقع أخذه بعين الاعتبار. فبروتينات اليوم هي حصيلة تاريخ تطوّري طويل جدا، تاريخ حصلت خلاله كمية ضخمة من التنوّعات التجديدية ومن التكيّفات. ومن المقبول أيضا أن يكون أسلافها الأبعد في الزمن قد كانوا بعدُ في حالة تعقيد هائل لدعم نوع الحياة الجرثومية التي كشفت عنها المستحجرات الصغير جدا. وإذا ما ظهرت هذه البروتينات الضاربة في القدم دفعة واحدة، ومكتملة بشكل نهائي، جاز لنا القول إذا بـ"التعقيد غير القابل للتبسيط" والذي يمكن تفسيره فحسب بـ"تصور ذكي". ولكن كل ما نعرفه حول الموضوع يؤكد أن الأمر لم يتم على تلك الشاكلة.
تحمل البروتينات الدليل الثابت على بناء ذي تناسب مقياسي. إنها تتمثل في عدد من المجالات الصغرى، أو دوافع، تحتوي تركيبات مختلفة على كثير منها في صلب عدد من البروتينات المختلفة، مشيرة بشكل قوي إلى أنها عملت كعناصر في بعض سياقات التركيب التوليفي. ويؤدي هذا الأمر إلى القول إن أوائل مقاييس التناسب وُجِدَتْ في لحظة ما كــبَبْتيدات [مادة بروتينية] مستقلة، نفّذت داخل بعض الخلايا الماقبلية الأولى، ما يمكن أن يكون شبيها فطريا للوظائف الهيكلية والمحفِّزة المنقولة إلى البروتينات في الخلايا الحالية. وتتلاءم هذه الفرضية مع الحسابات النظرية للكيميائي الألماني مانفريد إيغن Manfred Eigen، التي تبيّن أن الجينات الأولى لا بد أن تكون قصيرة جدا حتى تتمكّن معلوماتها من البقاء حيّة أمام الأخطاء العديدة التي غمرت منظومات إعادة الانتاج الأولية (10).
وبمجرد أن نقدم هذه الفرضية، فيمكن أن نشاهد مرحلة أولية لتطور الحياة، مدعومة بــبَبْتيدات قصيرة وخاضعة لنوع من التطور الدارويني، الذي يظهر خلاله وبشكل بطيء حزمة من البَبْتيدات التي تتحسن آليا، وذلك عبر انتقاء طبيعي. لنفترض أن إحدى نتائج هذه السيرورة يمكن أن تستنسخ نفسها دون أخطاء ، وأن تتمكّن بذلك جينة ذات حجم مضاعف من الظهور. يصبح إذا بإمكان التنظيم الاتفاقي للجينات الموجودة أن تنتج بالتدريج حزمة جديدة من الـبَبْتيدات أكثر فاعلية، وضعف طول سابقاتها. ستمكّن المنافسة الداروينية مرّة أخرى من تحسين إطّرادي لهذه الحزمة، مؤدية في النهاية إلى سلسلة جديدة من نفس الجنس، مع مستوى أرفع من التعقيد، وهكذا دواليك.
يتيح هذا النموذج جوابا على اعتراض غالبا ما اقترن بضرورة وجود سلطة توجّه المسار، وقع إعادة إحيائه وتهذيبه مؤخرا عن طريق عالم الرياضيات الأمريكي ويليام ديمبسكي، زعيم الحركة المعاصرة "التصور الذكي" (intelligent design) (8). يخص الاعتراض كون الحياة لا تستعمل سوى جزء ضئيل جدا مما هو معروف مثل فضاء المعلومات المبرمجة، أي عدد المعلومات المبرمجة الممكن. لنأخذ على سبيل المثال حالة البروتينات. هذه الذرّات هي سلسلة طويلة من الحوامض الأمينية المربوطة بعضها بالبعض الآخر. لنأخذ مثلا رباطا بطول مائة من الحوامض الأمينية، وهو صغير نسبيا في حالة البروتينة، لأن البروتينات تتكون من حوالي عشرين نوع مختلف من الحوامض الأمينية. توجد هذه الذرّة من ضمن 20100 أو 10130 (بإضافة 130 صفرا) بروتينة ممكنة من نفس الحجم. إن هذا الرقم ضخم جدا بشكل لا يصدّق لدرجة أن تريليونات [مليون بليون] التريليونات من الأكوان لا يمكن أن تحصل إلا على قسم ضئيل جدا من الذرّات الممكنة.
لذلك، فمن المستحيل تماما أن تتمكن الحياة من التوصل إلى النظام الذي تستعمله بنوع من الاستكشاف العشوائي لفضاء الممكنات، أي عبر تركيب عشوائي للمعلومات المبرمجة، الخاضعة إلى الانتقاء الطبيعي. من هنا جاء التأكيد بأن الاختيار كان موجَهًا من سلطة ما فوق طبيعية، "تعرف" [مسبقا] بطريقة ما إلى أين نحن سائرون. أما إذا أخذنا بالمثال التطوري الذي يقترح تكوّن البروتينات (عبر حوامض نووية)، مثال مدعوم بشكل قوي بما نعرفه عن هيكلية البروتينات، يصبح هذا الادعاء غير ذي فائدة. وبحسب هذا المثال فإن السبيل المؤدي إلى البروتينات الحالية قد مرّ بمراحل متلاحقة، أدّت كل واحدة منها إلى فضاء من الممكنات انحسر في السابق بفعل الانتقاء إلى حجم منسجم مع الاستكشاف المكثف، أو لنقل الشامل. ومثل كل الحدوس فإن المثال المقترح لا قيمة له إلا باعتباره دليلا لدراسات تكرّس نفسها لامتحان اهلية المثال. ومن بين مسارات البحث الممكنة المتبَعَة في بعض المختبرات، بحسب علمي، هي تلك التي تبحث في تركيبات الـببتيدات الصغيرة المولَدَة بطريقة عشوائية عن تحرّكات محفّزة تشبه تلك الموجودة في الخمائر. وبحسب نتائج هذه التجارب وغيرها، يُرفَضُ المثال أو يُبقَى على اعتماده، في شكل معدَلٍ على الأرجح. ولكن هذه المسألة لا علاقة لها إطلاقا بنقاشنا الحالي. إن مجرّد إمكانية اقتراح مثال معقول، وإمكانية القيام بتجارب بشأنه يكفي للقول إننا لم نبلغ بعدُ المرحلة التي تكون فيها كل محاولات تفسير أصل تكوّن الأنظمة الكيميائية البيولوجية المعقّدة بمصطلحات طبيعية قد فشلت.
إن المثال السابق يعطينا فكرة عن قيمة المعارف الكيميائية البيولوجية في البحث عن أصل الحياة. وبعيدا عن تثبيط للعزم أمام بحوث من هذا النوع، كتلك التي قام بها بيهي (Behe)، فإن معرفتنا الحديثة جدا للتعقيدات الكيميائية للحياة يمكن أن تفتح أمامنا مسالك قيّمة للتجريب المثمر. فالأجسام الحالية تقوم، عبر استجابات أصبحت اليوم مفهومة ومفسَرَة بالمصطلحات الطبيعية، بما كان من المفترض أن يقع منذ أربعة آلاف مليون سنة. وهي تقوم بتحويل تركيبات عضوية صغيرة – وربما أيضا غير عضوية- إلى خلايا حية فاعلة. وللأمانة فهي تقوم بذلك في سياق الخلايا الحية الموجودة، وأيضا بمساعدة آلاف الخمائر الخاصة غير الموجودة فوق الأرض السابقة عن العهد الحيوي. ولكن هذا المعطى لا يفرض ضرورة الرأي الذي يدافع عنه عديد الأخصائيين في أصل الحياة، والقائل إن الطرق الاستقلابية المعاصرة تختلف تماما عن تلك التي انبثقت عنها الحياة في بدايتها. وعلى العكس، فإن عوامل عدة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الاستقلاب الحالي وُلِد بشكل متطابق من الكيمياء الأولية ما قبل الحياتي، أي عبر مسلك انخراط كيمائي مباشر. وبذلك فمن الممكن تماما – أو من المرجح حسب رأيي- أن تكون المسالك الحيوية الحالية محتوية على آثار عديدة بادية للعيان عن تفاعلات نتجت الحياة منها. يبقى بعهدة الأجيال القادمة من الباحثين فك رموز هذا التاريخ والقيام بالتجارب المناسبة لذلك.
التطور
يشترك أغلب علماء البيولوجيا، بشكل أو بآخر، في أهم مدعمات النظرية – التي اقترَحَها في البداية شارل داروين – القائلة إن التطور البيولوجي هو نتيجة الاختلافات الجينية التي وقعت بمحض الصدفة، وتعرّضت للتدقيق دون اعتراض من قبل الانتقاء الطبيعي بحسب قدرة المتغيرات على الصراع من أجل الحياة وإنتاج سلالة في الظروف البيئية السائدة.
وما كان بالنسبة لداروين، وبشكل واسع، مجرد حدس لطيف معزز بالملاحظة فحسب، تلقى دعما قويا من علم البيولوجيا المعاصرة، الذي أثث، وبمصطلحات جزيئية واضحة، للمفاهيم الغامضة المتعلقة بسلسلة وراثية وبتغيرات أثارها داروين. وبالتخصيص، فقد قام الدليل على أن نقلات وقعت بشكل طبيعي كانت حصيلة أسباب لم تكن لها علاقة البتّة – اللهم بشكل عرضي – بنتائجها ذات الطابع التطوري. وكما افترض داروين، فإن التغير العشوائي هو الذي كان سائدا، دون معرفة نهاياتها. ثم يأتي الانتقاء بعد ذلك، منطبقا وبشكل عشوائي أيضا، بطريقة المجموع الكامل للضغوطات البيئية، بما فيها تلك التي تمارسها أجسام حيّة أخرى.
يوجد هناك بالطبع بعض المارقين. ولا أتحدث هنا عن القائلين بالخلق أو غيرهم من المنظّرين الرافضين للانتقاء الطبيعي والمكذبين حتى بحدوث تطور بيولوجي. وفي نفس السياق أستحضر النقاشات، وهي غالبا ما كانت مملّة وأحيانا حادّة، المحبذَة في صفوف التطوريين حول مسائل مثل القول بالتقدم التدريجي البطيء (gradualisme)، والإقلاب (saltationisme)، والتوازنات المرقنة، والانحراف الجيني، وتكوّن الأنواع، وديناميكيات الشعوب، وغيرها من المظاهر الخاصة في النظرية الداروينية. إن المخالفين الذين أتحدث عنهم يقبلون التطور ولكنهم يرفضون التفسير الطبيعي الخالص للمسيرة.
ويشتمل هذا الموقف على خلفية هي في نفس الآن طويلة ومميزة، وخصوصا في التقليد الفرنسي: فبالرجوع إلى فلسفة هنري برغسون، صاحب التطور المبدع، وأب مفهوم "القفزة الحيوية"، دافع عديد علماء البيولوجيا عن رأي لاهوتي للتطور، نُظِرَ إليه باعتباره مُسَيَّرٌ من قِبَلِ ترتيبٍ خاصٍ أدخل بطريقة ما تغييرات حسب تخطيط مُعَدٌ سلفًا. إن "المذهب الغائي"، وهو يقترن في الغالب بـ"المذهب الحيوي"، قد أصابه الخزي، أمام النجاحات المتتالية لعلمي الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الذَرّية. فالمذهب الغائي استفاد في السنوات الأخيرة من الصراعات القائمة في صفوف الداروينيين لفرض عودته. إنه يستفيد من نوع من الذكريات في بعض المحافل الفرنسية، التي غالبا ما تكون مغلفة بمسحات دينية مرتبطة بانتظارات اليسوعي بيار تايلبار دو شاردان، القائمة على مصالحة العلم البيولوجي مع العقيدة الكاثوليكية.
وعلى العكس، فإن [هذا المذهب] في العالم الأنغلو-ساكسوني يختبأ في نوع من خليط ضبابي يسمى "العولمة" (holistique)، تمثله مثل كتابات لينّ مارغوليس (15)، المعروف عالميا بدفاعه المبكّر – والصحيح – عن الأصل التكافلي الذاتي (endosymbiotique) لبعض "الجزيئات العضوية في الخلايا"، ومؤخرا بدفاعه عن مفهوم جايمس لوفلوك المسمّى "غايا" (Gaia) وعن نظرية "الانتاج الذاتي" (autopoïèse) [أي قدرة النظام على إنتاج نفسه بنفسه وعلى تعريف نفسه وعلى الاستمرار بذاته] التي قال بها فرنسيسكو فاريلا، البيولوجي الذي أصبح متصوفا والذي توفي حديثا.
وفي مسلك مختلف، أعلن المنظّر البيولوجي الأمريكي ستويارت كوفمان، المتخصص في تمثيل "الحياة الاصطناعية" على الحاسوب، عن رفضه أيضا للنظرية الداروينية الكلاسيكية. وهو يعتقد أن أنظمة بيولوجية، إضافة لكونها تستجيب للانتقاء الطبيعي، تمتلك قدرة ذاتية جوهرية وقوية على "إعادة تنظيم نفسها"، صانعةً "التنظّم من اللاشيئ" (13، 14). أما الفيزيائي الأسترالي – الانجليزي بول دافيس، صاحب الكتب الأكثر مبيعا والتي تحمل عناوين مثيرة مثل "عقل الله" (the Mind of God)(3) و "المعجزة الخامسة" (the fifth miracle) (4)، ومع تصريحه باتباعه للتفسيرات الطبيعية، فإنه لا يتورع عن الحديث عن "نوع جديد من القانون الفيزيائي" لتفسير قدرة الحياة على "مواربة ما هو ’طبيعي‘ من وجهة نظر الكيمياء وعلم الحركة الحرارية". كما نجد دفاعا عن آراء "غائية" لأصل الحياة والتاريخ أكثر تصريحا في كتابين حديثين: الصندوق الأسود لداروين (Darwin’s blak box) لـ"بيهي"، ومصير الطبيعة (Nature’s destiny) الذي يحمل عنوانا فرعيا تمييزيا هو: كيف تلهم القوانين البيولوجية الصورة في الكون (How the laws of biology reveal purpose in the univers ) للبيولوجي النيوزيلندي ميكائيل دنتون (9). ولا يرفض المنشقون التفسيرات الداروينية بشكل قاطع. إنهم يقبلون مثل هذه التفسيرات لكثير من الأحداث وقعت فيما يُعرَفُ بالتطور المتناهي الصغر (microévolution)، أو التطور الأفقي بحسب تعبيري، مسيرة يولد عبرها التنوع داخل التخطيط التنظيمي نفسه. فالرغبة تعتريهم، مثلا، في إرجاع تنوّع براقش [جزر] غلاباغوس الشهيرة إلى الانتقاء الطبيعي، وهي (أي البراقش)، بحسب ملاحظات داروين، تمتلك مناقير تختلف أحجامها من جزيرة إلى أخرى، لأن كل واحد منها تأقلم مع الغذاء المتوفر في تلك الجزيرة. ولكنهم ينفون إمكانية وقوف آلية واحدة وراء أصل المراحل الأساسية التي تحققت أثناء التطور الضخم، أو التطور العمودي، التي أنتجت تحولات جوهرية على مستوى الأجسام. إن تحول الديناصور إلى العصفور، أو أصغر "القفزات" الأخرى الظاهرة، والتي كشفت لنا عنها الوثائق المتحجّرة، تنتمي إلى هذا الصنف. وفي مثل هذه الحالة – دائما بحسب قائمة الحجج – فإن تحويرات أساسية عديدة لا بد أن تكون قد ظهرت في نفس الوقت، مما يجعل أيّ طريق طبيعي منتجٍ لوسائط قابلة للحياة أمرا مستحيل التصور. ولتوضيح هذه النقطة، يشير بيهي إلى تحويل العجلة الهوائية إلى دراجة. يمكن لهذه الأخيرة أن تكون مشتقّة من الأولى مفهوميا ولكن ليس ماديا. والحال، مثلما بينّا سابقا، أن الآلات الميكانيكية تُعتَبَرُ أمثلة فقيرة للأنظمة الحيّة.
وتماما مثلما هو الحال بالنسبة لأصل الحياة، فإن المسألة يجب أن تبقى عصيّة عن التحديد باعتبار جهلنا بتفاصيل المسار التطوري، ومن غير المتوقع أن نتوصل إلى كشف تلك التفاصيل في وقت قريب. ويمكن أن يكون الأمر أيضا أكثر تعقيدا من مسألة أصل الحياة، باعتبار التطور مسار تاريخي تحقق على مدى آلاف الملايين من السنين، تاركا آثارا قليلة جدا. ولكن هل بلغنا، في تحليلنا لهذه المسيرة، مرحلة وجب فيها التخلي عن كل التفسيرات الطبيعية، وأصبح فيها الاستنجاد "بشيء آخر" أمرا مفروضا؟ لا شك أن الإجابة تكون بالنفي. لقد وجدت النظرية الداروينية نفسها متراجعة أمام حجّة – مفتاح: غياب "حلقات مفقودة من السلسلة". ولكن النقص لا يرقى بأي حال إلى مستوى الحجة على "الفقدان"، وخاصة في ميدان تلعب فيه "صدفة الاكتشاف" دورا رئيسا. وبدون الطائر الأوّلي (Archaeopteryx) والبصمة، الذي يمثل بقاءها معجزة، التي تدل على ريشه [محفورة] في صخرة بمنطقة البافيار [بفرنسا] (وقع اكتشافها في 1864)، لم يكن ليخالجنا أدنى شك في الطريق الذي سلكته الزواحف لتصبح طيورا، وصولا إلى اكتشافات الطبيعة الشبيهة التي تحققت منذ وقت قصير في الصين. لا أحد يستطيع الرجم بما يمكن أن يكون عليه الغد.
هنا أيضا، فإن العلم المعاصر، وبعيدا عن تفضيله "التعقيد الذي لا رجعة فيه"، يمكن عوضا عن ذلك أن يكشف طرقا لا يرقى إليها الشك للتقليص من ذلك التعقيد. إن خرقا هائلا بهذه الطريقة قد حدث مؤخّرا مع اكتشاف جينات متجانسة (homeogènes). يتعلق الأمر بجينات تتحكم بدلالة عدد كبير جدا من الجينات – تصل حد 2500 بحسب مكتشفها البيولوجي السويسري والتر غيهرين الذي استعرض هذا المجال المشوق- (11). ونضرب مثالا واحدا على ذلك، الجينة المسمّاة "بلا أعين" في ذبابة الخل، وتمتلك لوحدها القدرة على تفجير سيل كامل من الأحداث اللازمة لتكوين عين تعمل بشكل كامل. لا بد من الإشارة إلى أننا نجد نفس الجينة في تشكيل واسع من اللافقاريات والفقاريات، حيث تقوم بنفس المهمة حتى لو كانت الأعين الناتجة عنها في اختلافها قريبة من الأعين العدسية البسيطة التي نجدها عند الثدييات، أو نفس العين العدسية البسيطة المختلفة التكوين التي نجدها عند رأسيات الأرجل (céphalopodes)، أو العيون ذات الأوجه المتعددة عند المفصليات، والعيون البدائية لدود الأرض.
والأكثر غرابة هو أن الجينة "بلا أعين" التي نجدها عند الفأر، إذا ما وضعناها في ذبابة الخل، نجدها تعمل بشكل كامل. ولكن النتيجة في هذه العملية هي عين خاصة بذبابة الخل وليست عين فأر. فالقادح هو نفسه، ولكن بطارية الجينات التي دخلت الخدمة تختلف من فصيلة إلى أخرى، مما ينتج تكوين أعين مختلفة تماما. إن اكتشافات مماثلة لا تُحسَبُ فقط على التطور المتعلق بعلم الأجنة؛ إنها تضيء أيضا مسارات تطورية عبر الكشف عن كيفية تسبب تبدّلات فجئية بسيطة في تغيرات هائلة للنمط الظاهري. يمكن أن نكتشف في النهاية أن "القفزات" الغامضة قابلة للتفسير بمصطلحات الطبيعة. بل يمكن أن تخضع أيضا للدراسات التجريبية.
"الشيء الآخر" المحيّر
إن الالتجاء إلى "شيء آخر" ليست فحسب عملية عقيمة بشكل استكشافي، لأن ذلك يخنق البحث؛ ولكنه أيضا شيء أخرق مفهوميا، على الأقل في صيغته المعاصرة. إن العصر الذي كانت فيه الغائية والنزعة الحيوية مجتمعتان في نظرية كونية واحدة، كان للموقف الفلسفي، على الأقل، ميزة التناسق الداخلي. كان هناك "قوة حيوية" غامضة من المفترض أنها تقود الأجسام الحية في كل تمظهراتها. وحينما يصبح الموقف انتقائيا، يقبل التفسير الطبيعي لبعض الأحداث ويرفضه للبعض الآخر، نجد أنفسنا أمام مهمة مستحيلة تماما لتحديد الخط الفاصل بين الاثنين. إن الدرس الذي نستخلصه من التاريخ، هو أن هذا الحد لم يتوقف عن الحركة كلما أصبح العصيّ عن التفسير، الذي تحول عند بعضهم إلى مستحيل تفسيره، قبلا للتفسير. يتمنّى عديد البيولوجيين استكمال هذه النزعة التاريخية على نقطة في المستقبل يصبح فيها كل شيء قابلا للتفسير. وخوفا من اتهامنا باستباق الأحكام، فلا حاجة لنا أن نكون في غاية التفاعل ونحن نصرّح ببساطة أن الموقف الوحيد القابل للدفاع عنه عقليا هو القبول بالنزعة الطبيعية كفرضية عمل للقيام بتجارب مناسبة، وإظهار النجاحات الماضية باعتبارها تسوّغ بشكل كبير مثل هذا الموقف.
أما بيهي فإنه يرفض هذا الموقف. فالحد بالنسبة إليه ثابت، ومُعيَّنٌ بنهايات "التعقيد غير القابل للحل". تكون الأحداث في أحد جوانب الحد محكومة بالقوانين الطبيعية، وتكون في الجانب الآخر من الحد محكومة بتدخل كيان لا يتورع عن تعريفه بأنه الله. ولا يكتفي هذا التدخل بتركيب الحياة ليتركها بعد ذلك تعمل بنفسها، إذا جاز التعبير. إن إله بيهي يرافق الحياة في كل مراحل التطور ليعطيها دفعا كلما استدعى الأمر ذلك حتى يقع تجاوز عائق الفرضية. ولا يقترح بيهي أي تصور فيما يخص الطبيعة الجزيئية، أو هدف هذه الدَفعَة. يمكن أن نبقى حائرين أمام هذه الصورة: مهندس إلهي يخلق الكون بجميع مكونات قوانينه الطبيعية، ثم يعمد، بالمصادفة، إلى تحطيم قوانين خلقه لتحقيق هدف خاص يشمل، بشكل افتراضي، قيام الإنسانية. لماذا لا نتصور إلها أوجد، منذ البدء، عالما قادرا على خلق الحياة في كل تمظهراتها، بما فيها العقل الإنساني، بمجرد الاعتماد على القوانين الطبيعية؟
إن ذلك هو ما يسلّم به دانتون، ولكن في صيغة تقترب بشكل خطير من موقف بيهي المتعلق بالتداخل المباشر، بالرغم من كونه يعرضه باعتباره "متناسق تماما مع فرضية الطبيعيين القاعدية للعلم المعاصر". لا يعانق دانتون، فحسب،المفهوم الانتروبي (anthropique) لكون مُنظَمٍ، فيزيائيا، بشكل دقيق، ومعدّلٍ بشكل فريد للحياة، ولكن يقوم بذلك بطريقة "غاية في مَرْكَزَة الإنسان" (hyper anthropocentrique). إنه يتصور السيناريو التطوري في مجمله، والإنسانية غايته القصوى، باعتباره كُتِبَ منذ البداية في ثنايا الخاصيات الصغيرة للذرّات الأصلية للحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين (ADN). ويقوم بفرز الحجج الجزيئية التي يُفتَرَض أن تساند موقفا كهذا، دون أن يترك تقريبا أثناء عملية التطور أي مكان للأحداث الطارئة. ويذهب لحدّ تصور "تحوّلات موجَهَة"، و"إعادة ترتيبات جينية مُبَرْمَجَة مسبقا"، و"تطور موجّه ذاتيا". إنه يقبل حتى إمكانية أن تكون تحوّلات تطوّرية معينة مقبولة لا من حيث فوائدها الآنية بل المقبلة. وبمناقشته تنامي الرئة المتميزة للعصافير، يصبح "من الصعب عدم الميل إلى رؤية عنصر من عناصر التنبؤ في تطور رئة الطير، التي يمكن أن تكون قد نمت تماما عند الطيور البدائية قبل أن يقع استغلال فائدتها القصوى حتى". ويجد دانتون هذا المفهوم "متناغم تماما مع مثال التطور المُوَجَه"، بيد أنه لا يقدّم أي اقتراح فيما يخص كيفية ظهور القيادة، مكتفيا بالمفهوم الضبابي لخالق "منح الأجسام ...قدرا محدودا من الإبداع الفعلي".
رؤية متوازنة
إن النزعة الطبيعية لم تصل إلى نهايات قدرتها التفسيرية. على العكس من ذلك، فإن كل ما وقع إنجازه لحد الآن يشجّع الاعتقاد القائل إن أصل وتطور الحياة قابلان للتفسير، تماما مثل الآليات الرئيسية للحياة، بالمصطلحات الطبيعية. ويبقى البحث الذي توجهه هذه الفرضية، في مواجهة هذه المشاكل، مقاربة معقولة وواعدة. ويستكمل عديد الباحثين هذا الموقف العلمي في نظرة فلسفية للعالم تنفي كل مدلول كوني لوجود الحياة، بما فيها مظهرها الأكثر تعقيدا اليوم: مخ الإنسان. إن مثل هذه التأكيدات لا بد أن تُقبَلَ مع كثير من الحيطة كما هو الشأن عند التأكيد على تدخّل "شيء آخر مختلف".
وبقطع النظر عن موقف ما قبلي يمكن أن نستسهل تبنّيه، فإن حدثًا يتميّز بشكل غير قابل للرد: إننا ننتمي لكون قادر على ولادة الحياة والعقل. لا شك أن ذلك يناقض القولة المشهورة لعالم البيولوجيا الفرنسي جاك مونو، الذي يؤكد أن: "الكون يحيط بالحياة، وأن المحيط الحيوي يحيط بالإنسان" (17). ومثلما بيّنه عارضو المبدأ الأنتروبي [المتعلق بأصل نشأة الإنسان وتطوره]، وكرّره دانتون (9)، فإن هذه المسألة تستلزم درجة مرتفعة من التعديل الفيزيائي لكوننا. إن تحويرات بسيطة تُدخَلُ على أيّ متغيّر فيزيائي كفيلة بتغيير التوازن المادي لدرجة أنه لا وجود للأكوان، أو أن الكون الموجود لا يسمح، لسبب أو لآخر، بميلاد الحياة أو الاستمرارية فيه.
ويعني هذا بالنسبة لدانتون أن الكون "صُنِع" لإيواء الحياة. ولكن هناك من يسعده ترك هذا التصور للصدفة. فالكيميائي الانجليزي بيتر أتكينز (1)، وهو من المدافعين المناضلين عن الإلحاد العلمي، يقترح " تقلبا بعيد الاحتمال لدرجة قصوى يمكن أن يكون قد جُمِّد"، لتفسير ميلاد كوننا. ويستخلص من ذلك أن: "الكون يمكن أن يظهر من لاشيء، وبدون أي تدخّل. يظهر بالصدفة". وبحسب عالم دراسة الأكوان الانجليزي مارتن رييس (20)، فإن عالمنا فريد – قابل للمعرفة لأنه مضبوط مدى الحياة – داخل مجموعة عملاقة من الأكوان، "كون متعدد"، أنتجته الصدفة. وقد تبنّى الفيزيائي الأمريكي لي سمولين (21) نفس الفكرة، ولكن في سياق تطوري. فهو يدافع عن الفكرة القائلة بأن أكوانا جديدة تتمتع بثوابت فيزيائية مختلفة قليلا يمكن أن تطفو من أكوان موجودة عبر وساطة ثقب سوداء. إن الأهلية لتكوين ثقب سوداء تَظهَرُ كمقياس لتكاثر كوني، ويستخدم كعامل انتقائي في المسيرة التطورية. وتنتشر الملكات الخاصة لكوننا، لأنها وجدت نفسها تشارك في إنتاج عدد مهمّ جدا من الثقب السوداء.
إن بحوثا تجريدية مماثلة فاتنة، ولكن دون أن يكون لها علاقة بالسؤال المركزي. بقطع النظر عن كونه خُلِق على يد صانع، أم بالصدفة، أو عبر التطور، وأن يكون فريدا أو واحدا ضمن عدد كبير، فإن كوننا قد أنتج فعلا الحياة، كما ولد عبر مسيرة تطورية طويلة شكلا حيا يتمتع بالقدرة، من خلال العلم ولكن أيضا من خلال مقاربات أخرى مثل الأدب والفن والموسيقى والفلسفة أو الدين، على إدراك بعض اللمحات من "الواقع الأسمى" المحاط بالغموض، الذي يختفي وراء مظاهر قابلة للاختراق من قبل أحاسيسنا (7). إن هذه المسألة بالنسبة لي في غاية الأهمية.
وفي هذا الإطار، أقبل بالمبدأ الأنتروبي، ولكن في تضمينه الواقعي وليس الغائي. فالكون "صُنِع هكذا" وليس بالضرورة "صُنِع لأجل". أرفض أيضا التحيّز لنظرية مركزية الإنسان للكون التي يعزوها دانتون وغيره من المدافعين عن النزعة الغائية، إلى المبدأ. لم تكن الإنسانية موجودة قبل ثلاثة ملايين سنة، بعكس الحياة التي كانت موجودة منذ فترة أطول من ذلك ألف مرة. ولا مجال للاعتقاد أن النوع البشري تمثل قمة التطور، أو أنه سيبقى ثابتا غير متغير مليارات السنين القادمة، وهو الزمن الأدنى، بحسب علماء الأكوان، الذي ستبقى فيه الأرض متأقلمة مع الحياة.
وعلى العكس من ذلك، يبدو من المحتمل جدا أن البشرية، مثل غيرها من الأنواع الحية، ستواصل تطورها، ربما عبر عون من الإنسان. ومن الممكن تماما، وبحسب رأيي من المحتمل، أن تنشأ في يوم ما أشكال من الحياة تملك قدرات ذهنية أقوى من التي نملك بشكل هائل، سواء كان منشؤها الإنسان نفسه أو غيره من فروع شجرة التطور. وستبدو عقلانياتنا بالنسبة لهذه الكيانات بدائية جدا مثلما بدت لنا المسارات الذهنية التي وجّهت الهومينيد الأولى في صنع الأدوات.
هناك حجة فلسفية أخرى تقدَم عادة باعتبارها مفروضة من العلم المعاصر بشكل غير قابل للدفع، وهي ما أسمّيه بـ"إنجيل الاحتمال"، المفهوم الذي يكون بموجبه التطور البيولوجي، ومن ضمنه الحدث الإنساني، ثمرة أحداث طارئة لا تنتهي، غير قادرة على الاستنساخ حيثما كان ولا في أي وقت آخر كان، وبالتالي فهي مستثناة من أي معنى. وللاستشهاد بكلام عالم المتحجرات الأمريكي ستيفان جاي غولد، الذي يفرض الاحترام بحكم علو كعبه في الكتابة ويجسّد المحامي الأكثر إقناعا بهذه العقيدة، فإن "الفهم الأعمق الذي توفره لنا البيولوجيا لوضعية الطبيعة الإنسانية وإمكانياتها الخفية يكمن في العبارة البسيطة: ’تجسيد الاحتمال‘ "(12). إنني غير موافق على هذا التأكيد.
ما تخبرنا به البيولوجيا هو أن البشرية، مثل أي شكل من أشكال الحياة، هي ثمرة حوالي أربعة مليارات سنة من تشعب التطور، وأن كل فرع جديد في هذه المسيرة هو، على نحو تبسيطي، نتيجة لتغير جيني طارئ ثبتت نجاعته للبقاء ولتكاثر الفرد في وسط الظروف البيئية السائدة. إن خلل حجة الاحتمال يكمن في وضع غير المتوقع في نفس الدرجة مع غير الممكن تحقيقه. يمكن أن تحصل أحداث بشكل طارئ حصريا، دون أن يمنعها ذلك من كونها ملزمة. ما هو ضروري حقا توفير إمكانيات حدوثها بشكل أكثر، يوازي درجة احتمال حدوثها. لنحاول رمي قطعة [نقدية] في الهواء: إن احتمال سقوطها على وجه محدد هو 50 بالمائة. لنرميها عشرة مرات، والحظ في سقوطها على الأقل مرة واحدة على أحد الوجهين هو 99,9 بالمائة. وحتى رقم اليانصيب المتكون من سبعة أرقام مضمون ظهوره بـ99,9 بالمائة مرة على 69 مليون سحب. صحيح أن اليانصيب لا يعمل تماما بهذا الشكل، ولكن لعبة التطور أجل.
وبعكس ما يشاع عادة،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://djalisse.1fr1.net
بوشويحةب
الإدارة
الإدارة


عدد المساهمات عدد المساهمات : 1735
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 08/10/2010
العمر العمر : 38
الموقع الموقع : بشار

مُساهمةموضوع: رد: أسرار الحياة ـ رامانات كويسك   الإثنين 14 فبراير 2011 - 10:03



تابع للمقال السابق

ما تخبرنا به البيولوجيا هو أن البشرية، مثل أي شكل من أشكال الحياة، هي ثمرة حوالي أربعة مليارات سنة من تشعب التطور، وأن كل فرع جديد في هذه المسيرة هو، على نحو تبسيطي، نتيجة لتغير جيني طارئ ثبتت نجاعته للبقاء ولتكاثر الفرد في وسط الظروف البيئية السائدة. إن خلل حجة الاحتمال يكمن في وضع غير المتوقع في نفس الدرجة مع غير الممكن تحقيقه. يمكن أن تحصل أحداث بشكل طارئ حصريا، دون أن يمنعها ذلك من كونها ملزمة. ما هو ضروري حقا توفير إمكانيات حدوثها بشكل أكثر، يوازي درجة احتمال حدوثها. لنحاول رمي قطعة [نقدية] في الهواء: إن احتمال سقوطها على وجه محدد هو 50 بالمائة. لنرميها عشرة مرات، والحظ في سقوطها على الأقل مرة واحدة على أحد الوجهين هو 99,9 بالمائة. وحتى رقم اليانصيب المتكون من سبعة أرقام مضمون ظهوره بـ99,9 بالمائة مرة على 69 مليون سحب. صحيح أن اليانصيب لا يعمل تماما بهذا الشكل، ولكن لعبة التطور أجل.
وبعكس ما يشاع عادة، فإن شجرة التطور لم تتمدد في فضاء لا متناهي من الانحرافات عبر نوع من طريق عشوائي. فالفضاء محدود بعدد من الضغوط الداخلية التي تحترمها أحجام مجموعة العوامل الوراثية وهياكلها (génomes)، وبضغوط خارجية مفروضة من المحيط. ولأن حجم الأشخاص المشاركين والزمن المخصص كان كبيرا، فإن استكشافا موسّعا للفضاء التحوّلي كان غالبا ممكنا، تاركا قرار الانتقاء المركزي إلى الظروف البيئية.
وفي هذا السياق لا يزال الطارئ يلعب دورا هاما، وأكثر منه في التطور الأفقي (التطور المحلي، الأصغر) منه في التطور العمودي (التطور الأشمل). فبدون أوراق تقدم لها حماية ممكنة، ما كانت أي حشرة تُقْدِم على طرق درب التطور الغريب الذي جعلها تشبه الورقة – توارد يشهد بمكر على ثروة المجال التحوّلي –. ومن جهة أخرى، إذا كانت الظروف التاريخية الخاصة التي سهلت تحويل الخياشيم عند الحيوان البرمائي الأول لم توجد، فالظاهر المحتمل أن تكون الفقاريات قد غزت الأرض بالنهاية في فرصة لاحقة، كلما كان أكسب هذا التحول لصاحبه مكافآت انتقائية مجزاة. وقريبا جدا منا، إذا لم يكن أسلافنا القدامى معزولين منذ قرابة ستة ملايين سنة – ربما بفتح مجرى وادي ريفت بإفريقيا الشرقية – في سهل معشّب حيث أصبحت سمات مثل الوقوف واكتساب خبرات يدوية نافعة بشكل فارق، فمن المتوقع تماما أن تكون هناك، في مكان ما، عاجلا أم آجلا، مجموعة من القردة قد بدأت سلوك الطريق المؤدي إلى الإنسانية. إن السرعة الخاطفة – بقياس الزمن التطوري – للأنسنة تظهر يقينا أن المسيرة عندما بدأت لاقت رعاية خاصة من قبل الانتخاب الطبيعي. لم يكن ذلك مدهشا، خاصة أن دماغا أفضل لا بد أن يكون بالضرورة ورقة رابحة في أيّ محيط كان.
كنت قد أشرت سابقا، وعبر سلسلة من الخطوات المتلاحقة ومن زيادة النظام ومن الانتقاء، كيف أن الحياة المنبثقة كان يمكن لها استكشاف أقسام جوهرية من مجالات النظام التي كانت متاحة لها في كل مرحلة. وبالنتيجة، فإن عملية تدريج الجينات إلى عدد متنامي من المستويات – لنتذكر الجينات المتشابهة (homeogènes) – أنتج حالة مماثلة في التطور اللاحق، ممكّنة هذه الأخيرة استكشاف الأنواع المناسبة في كل مستوى من مستويات التعقيد. لذلك، ولأسباب أخرى، تجدني أدافع عن الموقف القائم على اعتبار أن التنمية العمودية لشجرة الحياة نحو تعقيد متنامي هي التي تُحْضَى بالدعم من قبل العوامل – الطبيعية فحسب – التي نعتقد أنها تحدّد التطور البيولوجي. ومن جهة أخرى فإن التطور الأفقي لشجرة الحياة نحو تنوع أكبر في كل مستوى من مستويات التعقيد، كان على الأرجح محكوما بشكل واسع بتقلبات الظروف البيئية.

خاتمة
إن العلم المعاصر، مع التخلي تدريجيا عن الحاجة إلى الاستعانة بـ"شيء ما مغاير" لتفسير وجودنا فوق الأرض، لا يدافع أيضا عن الرأي القائل إننا لسنا أكثر من النتيجة غير المحتملة بشكل واضح والمجرّدة من المعنى، لأحداث طارئة. إننا مسكونون بالنظر إلى أنفسنا كجزء من أجزاء مثال كوني لم يبدأ بالكشف عن نفسه إلا الآن. ربما في يوم ما، في مستقبل بعيد، ستصل أدمغة أكثر تطورا من أدمغتنا إلى تصور النموذج بشكل أوضح. وفي انتظار ذلك، فإن المستوى الذي بلغناه، وهو بعدُ في أول نشأته، يمثل خطا حقيقيا لقسمة المياه، وذلك لأنه ولأول مرة في تاريخ الحياة فوق الأرض، يظهر نوع قادر على فهم الطبيعة بشكل كافي يمكّنه من التحكم في مستقبله بجلاء، وباختيار ومسؤولية. بقي أن نتمنى على الإنسانية أن تحسن رفع التحدي.
المراجع
1. Atkins, P. W, The Creation. Oxford and New York : Freeman & Co., 1981. 2. Behe, M. J, Darwin’s Black Box. The Biochemical Challenge to Evolution. New York : The Free Press, 1996. 3. Davies, P, The Mind of God. New York : Simon & Schuster, 1992. L’Esprit de Dieu, Le Rocher. 4. Davies, P, The Fifth Miracle. The Search for the Origin of Life. London : Allen Lane. The Penguin Press, 1998. 5. de Duve, C, Vital Dust. Life as a Cosmic Imperative. New York : BasicBooks,1995. Poussière de Vie, Fayard. 6. de Duve, C, Constraints on the Origin and Evolution of Life. Proc. Amer. Philos. Soc. 142 : 525-32, 1998). 7. de Duve, C, Life’s Messages. Knowledge, Belief, and Ultimate Reality. Oxford University Press, 2002. Les Messages du Vivant, Odile Jacob 2003. 8. Dembski, W. A, The Design Inference : Eliminating Chance through Small Probabilities. Cambridge University Press, 1998. 9. Denton, M. J, Nature’s Destiny. How the Laws of Biology Reveal Purpose in the Universe. New York : The Free Press,1998. La Vie a-t-elle un Sens ? Fayard, 1997. 10. Eigen, M., and Schuster, P, The Hypercycle : a Principle of Self-organization. Part A : Emergence of the Hypercycle. Naturwissenschaften 64 : 541-65, 1977. 11. Gehring, W. J, Master Control Genes in Development and Evolution. The Homeobox Story. New Haven : Yale University Press, 1998. 12. Gould, S. J, Wonderful Life. New York : Norton, 1989. La Vie est Belle, Le Seuil. 13. Kauffman, S. A, The Origins of Order. Oxford University Press, 1993. 14. Kauffman, S. A, At Home in the Universe. Oxford University Press, 1995. 15. Margulis, L., and Sagan, D, What is Life ?, New York : Simon & Schuster, 1995. 16. Miller, S. L, A Production of Amino Acids under Possible Primitive Earth Conditions. Science : 528-29,1953. 17. Monod, J. Chance and Necessity. New York : Knopf, 1971. Hasard et Nécessité, Le Seuil, 1970. 18. Oparin, A. I. The Origin of Life on the Earth, 3rd Ed. New York : Academic Press,1957. (First published in Russian in1924). 19. Prusiner, S. B. Prions. Les Prix Nobel 1997. Stockholm : Norstedt Tryckeri, 1998, pp. 268-323. 20. Rees, M. Before the Beginning. Reading, MA : Perseus Books,1997. 21. Smolin, L. The Life of the Cosmos. Oxford University Press, 1997.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://djalisse.1fr1.net
 
أسرار الحياة ـ رامانات كويسك
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الجليس التربوي :: ۩۞۩ ندوات ووثائقيات و رؤى فكرية ۩۞۩ :: رؤى فلسفية-
انتقل الى: